محمد بن جرير الطبري
167
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فالذي أباحه الله تبارك وتعالى لنا نكاحًا من الحرائر : الأربعُ ، سوى اللَّواتي حُرِّمن علينا بالنسب والصهر = ومن الإماء : ما سبينا من العدوِّ ، سوى اللواتي وافق معناهن معنى ما حُرِّم علينا من الحرائر بالنسب والصهر ، فإنهن والحرائر فيما يحل ويحرُم بذلك المعنى ، متفقاتُ المعاني = وسوى اللّواتي سبيناهنّ من أهل الكتابين ولهن أزواج ، فإن السبِّاء يحلُّهن لمن سبَاهن بعد الاستبراء ، وبعد إخراج حق الله تبارك وتعالى الذي جعله لأهل الخُمس منهنّ . فأما السِّفاح ، فإن الله تبارك وتعالى حرّمه من جميعهن ، فلم يحلّه من حُرّة ولا أمة ، ولا مسلمة ، ولا كافرةٍ مشركة . وأما الأمة التي لها زوج ، فإنها لا تحلّ لمالكها إلا بعد طلاق زوجها إياها ، أو وفاته وانقضاء عدتها منه . فأمَّا بيع سيدها إياها ، فغيرُ موجب بينها وبين زوجها فراقًا ولا تحليلا لمشتريها ، لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( 1 ) أنه خَيَّرَ بَرِيرة إذ أعتقتها عائشة ، بين المُقام مع زوجها الذي كان سادَتُها زوَّجوها منه في حال رِقِّها ، وبين فراقه = ولم يجعل صلى الله عليه وسلم عِتْق عائشة إيّاها لها طلاقًا . ولو كان عتقُها وزوالُ مِلك عائشة إياها لها طلاقًا ، لم يكن لتخيير النبيِّ صلى الله عليه وسلم إياها بين المقام مع زوجها والفراق ، معنًى = ولوجب بالعتق الفراق ، ( 2 ) وبزوال ملك عائشة عنها الطلاق . فلما خيَّرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الذي ذكرنا وبين المقام مع زوجها والفراق ، كان معلومًا أنه لم يخير بين ذلك إلا والنكاح عقدُه ثابت كما كان قبل زوال ملك عائشة عنها . فكان نظيرًا للعتق = الذي هو زوال مِلك مالك المملوكة ذات الزوج عنها = البيعُ ، الذي هو زوال ملك مالكها عنها ، إذ كان أحدهما زوالا ببيع ، والآخر بعتق = في أن الفُرْقة لا تجب بينها وبين زوجها بهما ولا بواحد منهما ، [ ولا يجب بهما ولا بواحدٍ منهما
--> ( 1 ) خبر بريرة ، في مسلم 10 : 139 - 148 ، وأخرجه البخاري أيضًا في مواضع من صحيحه . ( 2 ) في المخطوطة : " وقد وجب بالعتق الفراق " ، وهو خطأ بين ، والصواب ما في المطبوعة .